أحمد عبدالفتاح : تغليظ العقوبات الحل الأمثل لمواجهة الفوضى
الدكتورة سامية خضر: نحتاج إلى تربية سليمة والتوعية بحقوق المجتمع
الدكتور جمال فراويز: العقوبة وحدها لا تكفي، وزيادة الوعي هي الحل
الدكتور وليد هندي: الأسرة ومؤسسات المجتمع مطالبون بتعزيز ثقافة الانضباط
يشهد الشارع المصري في الآونة الأخيرة العديد من المظاهر السلبية التي تسببها الفوضى الخلّاقة نتيجة عدم احترام النظام العام، والإخلال بالقواعد التي تتسبب في تراجع هيبة القانون وضعف سلطة المؤسسات، مثل الفوضى المرورية، أو التحرش اللفظي، أو التعدي على الممتلكات العامة، أو حتى انتشار الضوضاء في الأحياء السكنية.
وهي كلها مظاهر بسيطة في ظاهرها، لكنها تمثل شرخًا عميقًا في نسيج المجتمع إذا تُركت بلا معالجة. والنظام العام مسؤولية مجتمعية وواجب ديني، والحفاظ عليه يُعد أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها أي مجتمع متحضر.
فهو ليس مجرد قوانين مكتوبة على الورق، ولا هو مجرد تعليمات تُلزم الأفراد بالانضباط في الأماكن العامة، بل هو مفهوم أشمل يرتبط بالهوية، وسلامة العلاقات الاجتماعية، وشعور الأفراد بالأمان والاستقرار.
جريدة "اللواء الإسلامي" ناقشت تلك القضية مع خبراء القانون والأجتماع والنفس، للوقوف على أبعادها، والأسباب المؤدية إليها، وطرق العلاج.
يقول أحمد عبدالفتاح، المحامي والناشط الحقوقي، إن كلمة "النظام العام" في التشريعات المصرية لا يوجد لها تعريف قانوني صريح في نص موحد، وإنما يُستدل عليها من خلال مجموعة المبادئ القانونية والأحكام القضائية الراسخة، مشيرًا إلى أن النظام العام يمثل "مجموعة القواعد الأساسية التي يقوم عليها كيان المجتمع من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، التي لا يجوز الاتفاق على ما يخالفها".
وبمعنى أن أي فعل أو اتفاق يخالف النظام العام يُعد باطلًا بطلانًا مطلقًا، حتى ولو وافق عليه الطرفان. ويؤكد عبدالفتاح أن حماية النظام العام ليست مسؤولية قانون واحد فقط، بل منظومة تشريعية متكاملة تشمل قوانين متعددة، من أبرزها: قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937، الذي يُعنى بتجريم الأفعال التي تخلّ بالأمن العام والسكينة.
وقانون تنظيم التظاهر رقم 107 لسنة 2013، وقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته المتعلقة بالنظافة العامة، إلى جانب قانون المرور رقم 66 لسنة 1973، والقوانين الخاصة بالآداب العامة مثل قانون مكافحة التحرش. مبينًا أن هذه القوانين وغيرها تعمل معًا على حماية المجتمع من الفوضى والعبث والانحراف الأخلاقي.
ورداً على سؤال حول كفاية العقوبات الحالية لردع المخالفين، يؤكد "عبد الفتاح" أن العقوبات في كثير من الأحيان غير كافية، خاصة الغرامات الخاصة بإشغال الطرق وإلقاء القمامة، التي كثيرًا ما تكون قيمتها متدنية مقارنة بالواقع الاقتصادي، مما يقلل من فعاليتها كوسيلة ردع. وأضاف أن الغياب المستمر لتطبيق العقوبات بصرامة يؤدي إلى الاستهتار والانفلات في الشوارع والمجتمع بشكل عام.
وتؤكد الدكتورة سامية خضر صالح، أستاذ علم الأجتماع بكلية التربية، جامعة عين شمس، على أهمية تعليم نظام والانضباط منذ مرحلة الحضانة، باعتبار أن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر لا يُمحى.
وشاركت تجربتها أثناء تواجدها في فرنسا، قائلة: «تعليم النظام يبدأ من الروضة، حيث كان أولادي في حصة الرسم التي تُقام كل ثلاثة أيام، وتقسم المدرسة الأطفال إلى مجموعات تقوم بأعمال مثل الكنس، مع متابعة مستمرة من المعلمات، وتغيير المجموعات بشكل دوري كي يشارك الجميع».
وتابعت دكتورة سامية: «بالإضافة إلى ذلك، تقوم المدرسة بتنظيم زيارات لمتاحف أو معارض كل ثلاثة أيام، يتعلم خلالها الأطفال كيفية استخدام المواصلات العامة مثل المترو، وكيفية السير على الرصيف وعبور الشوارع بأمان، وغيرها من القواعد المهمة التي تُرسخ لديهم من سن مبكرة».
وتوضح أن هذا التعليم لا يقتصر على الحضانة فقط، بل يُستكمل عبر برامج مخصصة للأطفال في التلفزيون، مما يؤكد أن الحضانة ليست مجرد وقت ضائع للعب، بل مرحلة تعليمية هامة تؤسس لمجتمع منظم وقائم على القيم. «كل وقت وله تعاليمه، وهكذا يتعلم الإنسان النظام منذ الصغر».
واختتمت أستاذة علم الأجتماع تصريحها متسائلة: «هل يمكننا تطبيق هذا النظام التعليمي والتربوي في مصر؟ الأمر يحتاج إلى تنظيم وتركيز على مرحلة الحضانة باعتبارها نقطة البداية لتشكيل شخصية الطفل وبناء مجتمع متماسك ومنضبط».
عوامل عديدة فيما يقول جمال فراويز، استشاري الطب النفسي، إن ضعف الالتزام بالنظام العام يعود إلى عوامل نفسية واجتماعية عديدة، من أهمها الصدمات النفسية والتربية العنيفة، خاصة إذا كان الأب عنيفًا أو غائبًا عن الأسرة.
ويوضحا لدكتور فراويز أن فرض العقوبات وحدها لا يكفيان لمنع الجريمة ونشر النظام، بل يجب العمل على زيادة الوعي بالعلاقات الإنسانية والأجتماعية، وتوفير فرص العمل الحقيقية للحد من الأسباب التي تدفع البعض إلى التمرد والانحراف.
مؤكدًا وجود علاقة مباشرة بين قلة فرص العمل وتزايد المشاكل والمخالفات، والعكس كذلك. ويشير إلى أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة تزيد من الضغوط على الأفراد والمجتمع، وتُعتبر من أبرز أسباب الأزمات الاجتماعية. وذكر مثالًا على ذلك تجربة رواندا بعد الحرب الأهلية، حيث أدى تحسن الوضع الاقتصادي والأمني إلى تراجع كبير في النزاعات والمشاكل الاجتماعية.
ويؤكد الدكتور فراويز أهمية الأستقرار الاقتصادي والاجتماعي في تعزيز الالتزام بالنظام العام وتقليل المشاكل والفتن داخل المجتمع، مشددًا على أن التربية الجيدة تلعب دورًا محوريًا في تشكيل شخصية الفرد، حيث تؤثر في 70 إلى 80% من تكوين الشخصية، خصوصًا عندما تتأسس العلاقات الأسرية الإيجابية بين سن 4 و14 سنة، مما يسهم في نضج اجتماعي سليم.
ويؤكد الدكتور. هندي أن الوعي هو الأساس لأي تغيير حقيقي في سلوك المجتمع، فلا يمكن الاكتفاء بالتلويح بالعقاب. فالمطلوب برامج توعية مستمرة في المدارس، المصانع، الشركات، والهيئات المختلفة، بالإضافة إلى حملات إعلامية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن مشاركة رجال الدين، على رأسهم الأزهر الشريف، في التوعية المباشرة، لتبسيط المفاهيم الدينية والاجتماعية وتوصيلها للناس بنفس السهولة التي يحصلون بها على أبسط احتياجاتهم اليومية.



